نخبة من الأكاديميين

908

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وكان المحدّثون والحنابلة ينشرون ويكتبون كتباً كبيرة أو صغيرة في أصول " السنة " وينقلون في كتبهم هذه كل الأحاديث التي كانت تتعلق بالمسائل العقدية ردّاً على أصحاب الفرق والبدع . وتتعلق إشكاليتهم الأساسية بالسنة / البدعة وعقيدة " الجماعة " . واستمر التقليد عندهم عن الإمام أحمد بن حنبل ومن قبله وحتى القرون المتأخرة ، وإلى اليوم عند الحنابلة والسلفيين والوهابية . ولكن ، ومنذ القرن الخامس الهجري كانت هناك حركة لتدوين كتب عقائدية بصورة أكثر نظاماً ، وبطريقة الكتب الكلامية وربما أحياناً بطريقة جدلية ترد عقائد فرق البدع . ومن أمثلة ذلك ، كتاب " المعتمد " لأبي يعلى الحنبلي ( المتوفى سنة 458 ه - ) ، أو كتاب " الإيضاح " لابن الزاغوني ( المتوفى سنة 527 ه - ) في هذا الاتجاه ؛ وكذلك ابن عقيل الحنبلي ( المتوفى سنة 513 ه - ) وأبي الفرج الجوزي ( المتوفى سنة 597 ه - ) ، والذي تأثر بالأخير وآخرين من الحنابلة الذين كانوا أكثر اعتدالًا من فئة أخرى من الحنابلة . وكان لابن تيمية ولتلميذه ابن قيم الجوزية ( المتوفى سنة 751 ه - ) توجه في انتقاد المتكلمين ومناهجهم وعقائدهم . وبطبيعة الحال ، كان تبادل الآراء متحققاً بين الحنابلة وبين الآخرين مثل الأشاعرة وأحياناً المعتزلة أنفسهم . أما ابن تيمية فهو منظّر كبير لفكر أصحاب الحديث العقائدية ، فقد كان ذا معرفة جيدة بأفكار المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة أيضاً ، أو على الأقل كان يعرف جيداً تآليف وكتب هؤلاء وينقل عنهم كثيراً ويردّ عليهم ردّاً قاسياً ؛ فهو يردّ دائماً في كتبه على المعتزلة / الجهمية وعلى الأشاعرة والماتريدية وعلى الشيعة الإمامية / الإسماعيلية ، ويردّ على كبار مؤلفيهم ويردّ أيضاً على الفلسفة والمنطق وكبار الفلاسفة في الإسلام حسب فهمه لأصول أفكارهم ، وبصورة قاسية جداً ولكنه أحياناً كان يأخذ بأفكارهم . شرعنة علم الكلام ومع ظهور وانتشار أهل السنة والجماعة ، وبعد تطورات كثيرة بدءاً من القرن الثاني وحتى القرن الخامس ، وبتأييد من السلطة السياسية ممثلة بالسلاجقة ، تحول علم الكلام ، وبفضل انتشار الأشعرية والماتريدية تمثيلًا لمنظومة " أهل السنة والجماعة " العقائدية ، إلى علم استدلالي للدفاع عن عقيدة السنة على الأقل في كثير من الأحيان وعند الكثيرين ؛ ما عدا أكثرية الحنابلة والمنتمين إليهم بطبيعة الحال ؛ وهذا الأمر ظهر خاصة بعد أبي حامد محمد الغزالي ( المتوفى سنة 505 ه - ) الذي سعى لتقديم صورة معقولة ومقبولة لأهل السنة في مواجهة تحديات الشيعة والإسماعيلية والفلاسفة ، ويعتبر الغزالي أحد مؤسّسي المنظومة الفكرية لأهل السنة والجماعة ، وبجهوده تأسّست واستقرت شرعية علم الكلام بين صفوف أهل السنة والجماعة . في حين أنه يختلف الأمر بالنسبة إلى الشيعة فإنهم وكما قلنا سابقاً ، إن اختلفوا في أول الأمر وحتى أواسط القرن الرابع الهجري في مدى شرعية علم الكلام والجدل الكلامي ، فكان المؤيدون لهذا العلم عندهم أقلية في مواجهة أصحاب الحديث والأخبار ، ولكن وبمرور الزمن أخذ طابعاً متماسكاً مع المنظومة العقائدية الشيعية ، وخاصة بسبب أهمية مباحث الإمامة عند الشيعة